.jpg)
بقلم د. حاكم المطيري
ذكرنا في الحلقة السادسة من هذه الدراسة أن أهل السنة والجماعة لهم أصولهم العقائدية السياسية في الموقف من الأمة ووحدتها تتجلى في أربعة مسائل:
الأولى في عدم إكفار المسلمين المخالفين وكذا العصاة والمذنبين.
والثانية في تقرير جميع حقوقهم ووجوب العدل معهم.
وهذا تفصيل القول في الثالثة والرابعة:
المسألة الثالثة: صحة الصلاة خلف الأئمة منهم، والجهاد معهم، والطاعة لهم بالمعروف:
وهذه من أصول أهل السنة والجماعة العقائدية النظرية والفقهية العملية بناء على ما سبق من أصولهم في الموقف من أهل الفسق والكبائر، ومن أهل القبلة المخالفين في الرأي من أهل الأهواء والبدع، حيث أثبت أهل السنة والجماعة لهم حكم الإسلام، ومن ثم صححوا صلاتهم، كما صححوا الصلاة خلفهم في الجمع والجماعات والأعياد التي هي شعائر المسلمين العامة التي توحدهم روحيا واجتماعيا وسياسيا، وكذا رأوا صحة الجهاد معهم، والطاعة للأئمة منهم، مع اشتراط أهل السنة والجماعة في الأئمة العدالة ابتداء، إلا أنهم رأوه شرط صحة في حال السعة والاختيار لا حال الضيق والاضطرار، فمن صار إماما أو ولاه الإمام الصلاة أو الحج أو الجهاد صح الإتمام به وإن لم يكن عدلا إذا لم تقدر الأمة على صرفه وتغييره، ولهذا لم يتخلف أهل السنة والجماعة عن الصلاة والجهاد زمن المأمون والمعتصم والواثق، وقد كانوا على رأي المعتزلة، بل حملوا الأمة على القول بالاعتزال بالسيف والسجن، ومع ذلك ظل أهل السنة يحافظون على الجماعة ووحدة الأمة التي هي أصل الأصول بعد التوحيد، كما في الحديث الصحيح (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
وهذا الموقف موافق للنصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، ولما ثبت عن السلف أنهم كانوا يصلون خلف الحجاج بن يوسف بعد أن عجزوا عن تغييره، إذ حاولوا الخروج عليه مع ابن الأشعث فلم يستطيعوا، ثم صلوا خلفه، حفاظا على وحدة الأمة السياسية، وعدم تفرقها وتشرذمها، وهو ما تقرر عند أئمة أهل السنة والجماعة كما في العقيدة الطحاوية عن أبي حنيفة وأصحابه (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم).
بل عد الإمام أحمد بن حنبل من أعاد الصلاة خلفهم من أهل البدع فقال (وصلاة الجمعة خلفه ـ أي الإمام برا كان أو فاجرا ـ وخلف من ولاه جائزة تامة ركعتين من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة).
وقال أيضا في رسالة عبددوس ـ كما في أصول السنة (1/44) ـ (والغزو ماض مع الإمام إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك…وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين من أعادهما فهو مبتدع).
وهو إجماع أهل السنة والجماعة حفاظا على هذا الأصل السياسي الديني، وهو وحدة الأمة والدولة وعدم تفرقها، وحفاظا على مصلحة الجهاد حتى لا يتعطل، وهو الضمانة لحماية الأمة، وحفظ البيضة، وإقامة الشعائر والشرائع، فاغتفر الشارع له ما قد يقع من قصور في الأئمة ـ كبدعة ومعصية ـ تعظيما لشأن هذه الأصول التي بها قيام الإسلام وظهور الأحكام، كما قال ابن حزم في الفصل في الملل (4/135):
(فصل في الكلام في الصلاة خلف الفاسق والجهاد معه والحج ودفع الزكاة إليه ونفاذ أحكامه من الأقضية والحدود وغير ذلك: ذهب الصحابة كلهم دون خلاف من أحد منهم، وجميع فقهاء التابعين كلهم دون خلاف من أحد منهم، وأكثر من بعدهم، وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول أحمد والشافعي وأبي حنيفة وداود وغيرهم إلى جواز الصلاة خلف الفاسق الجمعة وغيرها، وبهذا نقول وخلاف هذا القول بدعة محدثة، فما تأخر قط أحد من الصحابة الذين أدركوا المختار بن عبيد والحجاج وعبيد الله بن زياد وحبيش بن دلجة وغيرهم عن الصلاة خلفهم وهم من أفسق الفساق..
وقال تعالى {أجيبوا داعي الله} فوجب بذلك ضرورة أن كل داع دعا إلى خير من صلاة أو حج أو جهاد أو تعاون على بر وتقوى ففرض إجابته وعمل ذلك الخير معه، لقول الله تعالى {تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وإن كل داع دعا إلى شر فلا يجوز إجابته بل فرض دفاعه ومنعه…
وهكذا القول في الأحكام كلها من الحدود وغيرها إن أقامها الإمام الواجبة طاعته والذي لا بد منه فإن وافقت القرآن والسنة نفذت وإلا فهي مردودة لما ذكرنا، وإن أقامها غير الإمام أو واليه فهي كلها مردودة، ولا يحتسب بها لأنه أقامها من لم يؤمر بإقامتها، فإن لم يقدر عليها الإمام فكل من قام بشيء من الحق حينئذ نفذ، لأمر الله تعالى لنا بان نكون قوامين بالقسط، ولا خلاف بين أحد من الأمة إذا كان الإمام حاضرا متمكنا أو أميره أو واليه فإن من بادر إلى تنفيذ حكم هو إلى الإمام فإنه إما مظلمة ترد وإما عزل لا ينفذ، على هذا جرى عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع عماله في البلاد، بنقل جميع المسلمين عصرا بعد عصر، ثم عمل جميع الصحابة رضي الله عنهم، وأما الجهاد فهو واجب مع كل إمام وكل متغلب وكل باغ وكل محارب من المسلمين، لأنه تعاون على البر والتقوى وفرض على كل أحد دعا إلى الله تعالى وإلى دين الإسلام ومنع المسلمين ممن أرادهم قال تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد}الآية فهذا عموم لكل مسلم بنص الآية في كل مكان وكل زمان).
فهذا ابن حزم الذي يرى وجوب الخروج على الإمام الجائر إذا استطاعت الأمة ذلك، ووجوب نصرة العدل إذا خرج على الإمام الجائر، ومع ذلك يقرر أنه مادام الإمام إماما لم يتم عزله برا كان أو فاجرا فالواجب الصلاة خلفه والجهاد معه ودفع الزكاة إليه ما دام يؤديها في مصارفها، إذ فسقه على نفسه، بينما مصلحة الجهاد معه وكذا رعاية المصالح العامة ونفوذ أمره في إقامة الحقوق والحدود كل ذلك لصالح الأمة، فلا يمنع ذلك من التعاون معه على البر والخير والتقوى، إلى أن يتم تغييره بمن هو خير منه، فإن عجز الإمام عن القيام بمسئولياته برا كان أو فاجرا، وجب على من قدر من الأمة القيام بها، ووجب على الأمة التعاون معه على البر والتقوى، ولا تتعطل الأحكام والحقوق بأي حال من الأحول.
وهذا كله يؤكد أن موقف أهل السنة والجماعة هو الأقرب للمعقول والأصوب في المنقول، إذ نظروا إلى الإسلام على أنه دين وأمة ودولة وخلافة وشريعة وأحكام، وهذه كلها ثوابت وأصول يجب المحافظة عليها بقطع النظر عن حال السلطة ورجالها، التي قد تتغير وتتقلب بهم الأحوال، فالإمام فرد قد يطرأ عليه فسوق أو جور وقد يتوب، فلا تتعطل الأحكام في الدولة بل يجب إنفاذ ما وافق الحق منها، وإعانة السلطة على البر والتقوى، إلى أن تتمكن الأمة من تغييرها، فأهل السنة والجماعة نظروا إلى الإمام من خلال نظرهم إلى مصالح الأمة والدولة، وبهذا الفقه استطاعت الدولة والأمة والخلافة مواجهة كل التحديات طوال مرحلة الاستخلاف مدة ألف وثلاثمائة سنة من تاريخ الإسلام إلى سقوط الخلافة وعودة مرحلة الاستضعاف في هذا العصر الذي بدأت فيه تباشير وإرهاصات عودة مرحلة الاستخلاف الثانية كما في البشارة النبوية (ثم تعود خلافة على منهاج النبوة)!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ كما في منهاج السنة (1/65) ـ (ومن أوجب الإعادة على كل من صلى خلف كل ذي فجور وبدعة فقوله ضعيف، فإن السلف والأئمة من الصحابة والتابعين صلوا خلف هؤلاء وهؤلاء لما كانوا ولاة عليهم، ولهذا كان من أصول أهل السنة أن الصلوات التي يقيمها ولاة الأمور تُصلى خلفهم على أي حالة كانوا، كما يُحج معهم ويُغزى معهم).
وقال أيضا ـ كما في الفتاوى(23/342-345) ـ (أما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور، لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته … فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته، لم يجز ذلك، بل يصلى خلفه مالا يمكنه أن يفعلها إلا خلفه، كالجمع، والأعياد، والجماعة، إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج، والمختار بن أبي عبيد الثقفي، وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادًا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة، ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقًا معدودين عند السلف، والأئمة من أهل البدع، وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف الفاجر، وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء، منهم من قال: أنه يعيد لأنه فعل مالا يشرع، بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيًا عنها فيعيدها، ومنهم من قال: لا يعيد، قال: لأن الصلاة في نفسها صحيحة…).
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على صحة الصلاة خلف الجهمي والرافضي والخارجي، إذ كلام أئمة أهل السنة والجماعة إنما هو في مثل هؤلاء، حيث قال (وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ولم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة، فهنا ليس عليه ترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق، أو بدعة، تظهر مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الرافضة، والجهمية ونحوهم…وأما الصلاة خلف المبتدع: فهذه المسألة فيها نزاع، وتفصيل، فإذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد، وكالعيدين وكصلوات الحج، خلف إمام الموسم فهذه تفعل خلف كل بر وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة، وإنما يدَعُ مثل هذه الصلوات خلف الأئمة؛ أهلُ البدع كالرافضة ونحوهم، ممن لا يرى الجمعة والجماعة، فإذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد، فصلاته في الجماعة خلف الفاجر خير من صلاته في بيته منفردًا؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقًا.
وأما إذا أمكنه أن يصلي خلف غير المبتدع فهو أحسن، وأفضل بلا ريب، لكن إن صلى خلفه ففي صلاته نزاع بين العلماء، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة تصح صلاته، وأما مالك وأحمد، ففي مذهبهما نزاع وتفصيل، وهذا إنما هو في البدعة التي يعلم أنها تخالف الكتاب والسنة، مثل بدع الرافضة والجهمية ونحوهم، فأما مسائل الدين التي يتنازع فيها كثير من الناس في هذه البلاد، مثل "مسالة الحرف والصوت" ونحوها، فقد يكون كل من المتنازعين مبتدعًا، وكلاهما جاهل متأول، فليس امتناع هذا من الصلاة خلف هذا بأولى من العكس، فأما إذا ظهرت السنة وعلمت فخالفها أحد، فهذا هو الذي فيه النِّزاع). (الفتاوى (23/351-356) و(360-368،361-369).
وقال أيضا ـ كما في المستدرك على مجموع الفتاوى 3/117 ـ (أهل الحديث والسنة كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم متفقون على أن صلاة الجمعة تصلى خلف البر والفاجر حتى أن أهل البدع كالجهمية الذين يقولون بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة ومع أن أحمد ابتلي بهم وهو أشهر الأئمة بالإمامة في السنة ومع هذا لم تختلف نصوصه أنه تصلى الجمعة خلف الجهمي والقدري والرافضي وليس لأحد أن يدع الجمعة لبدعة في الإمام).
وهذا أوضح دليل على أن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى إثبات إسلامهم وعدم إكفارهم وهو الصحيح عن أئمة أهل السنة والجماعة، إذ لا تصح الصلاة خلف الكافر بالنص والإجماع، ومعلوم أن هذه الفرق (الجهمية والرافضة) هي في نظر الأئمة أبعد فرق أهل القبلة عن أهل السنة والجماعة وأكثرها تطرفا، بخلاف المعتزلة والشيعة الزيدية والإباضية والمرجئة، فإذا صحت الصلاة خلف الجهمي والرافضي فمن باب أولى صحتها خلف من هو أخف بدعة، وهذا أوسع باب لتوحيد الأمة ورص صفوفها، إذ وحدة مساجدها وصلواتها هي السبب في وحدة قلوبها وائتلافها، ولهذا صحح شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا دعوة أهل البدع لغير المسلمين للدخول في الإسلام وأنها خير من بقاء الكفار على شركهم ووثنيتهم حيث قال ـ كما في الفتاوى (13/96) (وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثما بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين، وذاك كان شرا بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير).
وكل ذلك يؤكد موقف أهل السنة والجماعة من أهل القبلة وحفاظهم على أصل الجماعة ووحدة الأمة وانتظام أمرها، وحماية بيضتها، والجهاد مع كل من قاتل عدوها دفاعا عنها، ولا يلتفتون إلى عقيدته وبدعته، بل يعينونه على البر والتقوى، ولهذا لم يتعطل جهاد الفتح والدفع في الثغور حتى في ظل ضعف الخلافة في أواخر القرن الرابع الهجري، الذي وصل فيه أهل الأهواء والبدع للسلطة في بغداد، والقاهرة، الشام، حيث يقرر عبد القاهر البغدادي (ت 429) في كتابه أصول الدين (ص317) وهو معاصر لتلك الفترة بأن كل (ثغور الروم والجزيرة وثغور الشام وثغور أذربيجان وباب الأبواب ـ أرمينيا ـ كلهم على مذهب أهل الحديث من أهل السنة، وكذلك ثغور أفريقيا والأندلس وكل ثغور بحر المغرب أهله من أهل الحديث، وكذلك ثغور اليمن على ساحل الزنج، وأما ثغور أهل ما وراء النهر في وجوه الترك والصين فهم فريقان إما شافعية وإما من أصحاب أبي حنيفة، وقد قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فالجهاد مع الكفرة في الثغور منهم، وليس لأهل الأهواء ثغر).
فالجهاد عند أهل السنة والجماعة هو ذروة سنام الإسلام وهو ماض عندهم إلى يوم القيامة لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، كما قال أحمد بن حنبل وكما قال الطحاوي في عقيدة أبي حنيفة وأصحابه (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما)، وذلك لقوله تعالى في شأن أعداء المسلمين وبقاء عداوتهم وعدوانهم {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} وقوله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} وما زال المسلمون منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في الإسلام إلى اليوم وإلى آخر الدهر وهم يتعرضون للظلم والعدوان في حال الاستضعاف وفي حال الاستخلاف، فهم في جهاد دفع أو جهاد فتح، وكما في الصحيح (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة).
المسألة الرابعة : تحريم سل السيف على أهل القبلة :
وهو من أهم أصول أهل السنة والجماعة المنصوص عليه في كتب عقائدهم لشدة حرمة دماء المسلمين كما ثبتت بنصوص القرآن والسنة وإجماع سلف الأمة، ولهذه العقيدة أربعة معان عندهم، وربما اختلطت على المتأخرين حتى صارت عندهم معنى واحدا، وربما لبس بعضهم الحق بالباطل فيها مشايعة منهم لأهواء الملوك، والصحيح التفصيل فيها على النحو التالي :
المعنى الأول : حرمة سل السيف على المسلمين وحرمة استباحة دماء المخالفين كما تفعل الخوارج الحرورية الذين كفروا كل من خالفهم وسلوا السيف عليهم، وهذا هو المعنى المقصود عند الإطلاق، ردا على الخوارج، كما جاء في عقيدة الإمام الطحاوي عن أئمة أهل العراق من أهل الرأي أبي حنيفة وأصحابه (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف).
وكذا قال إمام أهل الحديث في عصره سفيان الثوري ـ كما في الشريعة للآجري (5/279) ـ (وكل أهل هوى، فإنهم يرون السيف على أهل القبلة، وأما أهل السنة فإنهم لا يرون السيف على أحد، وهم يرون الصلاة والجهاد مع الأئمة تامة قائمة، ولا يكفرون أحدا بذنب، ولا يشهدون عليه بشرك).
وكذا قال البخاري ـ كما في أصول السنة للالكائي (1/174) ـ (لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر لقيتهم فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء…وأن لا يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه و سلم).
فالمقصود هنا أنهم لا يرون استباحة دماء أحد من أهل القبلة من المسلمين مهما كانوا مخالفين في الرأي، لا كما يستحله الحرورية من الخوارج الذين صالوا على الأمة بالسيف (يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) كما جاء وصفهم في الحديث الصحيح.
المعنى الثاني : حرمة سل السيف على المسلمين في القتال في الفتن، وهو كل قتال بين طائفتين من المسلمين على التنازع في الإمامة، أو القتال في حال عدم وجود إمام عام، أو القتال على شيء من حظوظ الدنيا، أو القتال على تأويل في الدين، وهذا قول عامة أهل السنة اتباعا للأحاديث التي جاء فيها النهي عن القتال في الفتن التي تقع بين المسلمين، كما فعل أكثر الصحابة الذين اعتزلوا القتال في الجمل وصفين، لحديث (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ كما في منهاج السنة(8/522-526) ـ (والذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفين لم يكن من القتال المأمور به، وأن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدُّوه قتال فتنة، وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء، فمذهب أبي حنيفة فيما ذكره القدوري أنه لا يجوز قتال البغاة إلا أن يبدؤوا بالقتال، وأهل صفين لم يبدؤوا عليًا بقتال، وكذلك مذهب أعيان فقهاء المدينة والشام والبصرة، وأعيان فقهاء الحديث كمالك وأيوب والأوزاعي وأحمد وغيرهم أنه لم يكن مأمورًا به، وأن تركه كان خيرًا من فعله، وهو قول جمهور أئمة السنة كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب).
فهذا القتال بين المسلمين لا يسوغ المشاركة فيه حتى وإن كان الإمام خليفة راشدا كعلي رضي الله عنه، إذ هو قتال لم يستبن فيه وجه الحق للجميع، وطاعة الإمام الشرعي منوطة بالمعروف كما في الصحيح (إنما الطاعة بالمعروف)، أما في المتشابهات فلا طاعة له، ولهذا كان الحسن بن علي رضي الله عنه يشير على أبيه بتركه، حتى ندم علي بعد ذلك وبكى وتنمى أن لو مات قبل تلك الفتنة، وقال (لله موقف وقفه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر) وهم من الذين اعتزلوا كلا الطائفتين ولم يشاركوا في القتال، فلما اصطلحوا على التحكيم شارك هؤلاء فيه، إذ هو المشروع للأمة عند وقوع القتال فيما بينها أن تحتكم إلى الكتاب والسنة وإلى الأمة دون لجوء للسيف والقتال، كما في الصحيح (قتال المسلم كفر وسبابه فسوق) وحديث (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) وحديث (إن دماءكم حرام عليكم كحرمة يومك هذا في بلدكم هذا)..الخ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان صحة مذهب أهل المدينة ـ كما في مجموع الفتاوى (20/393) ـ (ودين الإسلام : أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما، وأهل المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك، أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الأمر كذلك وأما بعدهم فهم في ذلك أرجح من غيرهم، وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه : كان دين من هو كذلك بحسب ذلك، وهذه الأمور من اهتدى إليها وإلى أمثالها تبين له أن أصول أهل المدينة أصح من أصول أهل المشرق بما لا نسبة بينهما، ومن ذلك أن القتال في الفتنة الكبرى، كان الصحابة فيها ثلاث فرق : فرقة قاتلت من هذه الناحية، وفرقة قاتلت من هذه الناحية، وفرقة قعدت، والفقهاء اليوم على قولين : منهم من يرى القتال من ناحية علي - مثل أكثر المصنفين - لقتال البغاة، ومنهم من يرى الإمساك، وهو المشهور من قول أهل المدينة وأهل الحديث، والأحاديث الثابتة الصحيح































